أبرز مسؤولو الكنيسة والسلطات الفلسطينية تسارع خروج العائلات المسيحية من الضفة الغربية في 8 أغسطس، محذرين من أن الطائفة تواجه خطر الاندثار في الأرض المقدسة إذا استمرت الظروف الراهنة. وقال القس متري رحيب، مؤسس جامعة دار الكلمة في بيت لحم: «إذا استمرت الظروف الحالية، فلن يبقى مسيحي فلسطيني واحد بحلول 2050». ويقدر عدد المسيحيين المقيمين حالياً في الضفة الغربية بما في ذلك القدس الشرقية بنحو 40 إلى 45 ألفاً، وهو ما يمثل أكثر من 1 في المئة من إجمالي السكان حسب التقديرات التي استشهد بها قادة محليون.
أدت حرب غزة التي اندلعت عام 2023 إلى تفاقم الضغوط المستمرة منذ فترة طويلة، بحسب قادة الكنيسة والسكان الذين أشاروا إلى تفاقم الأوضاع الاقتصادية وازدياد العمليات العسكرية الإسرائيلية والحواجز وهجمات المستوطنين. أظهر تقييم للبنك الدولي انكماش الناتج المحلي الإجمالي في الضفة الغربية بنسبة 17 بالمئة خلال 2024، بينما أعلن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني أن معدل البطالة وصل إلى 29 بالمئة بنهاية العام بعد أن فقد أكثر من 150 ألف فلسطيني وظائفهم في إسرائيل. وتعكس هذه الأرقام خسائر إجمالية تتجاوز 5 مليارات دولار في الأراضي الفلسطينية المحتلة خلال 2024، بحسب تقرير للأمم المتحدة، في ظل قيود الحركة التي حدت من النشاط التجاري ودخول الأسر.
أوضح رائد الأعمال عيسى قسيس، البالغ من العمر 31 عاماً والمنحدر من رام الله، لوكالة «أ ف ب» أنه يدرس الهجرة إلى الولايات المتحدة بعد تعرض أعماله لنكسات متكررة. وقال: «كلما تقدمت خطوة إلى الأمام في عملي، أعود ثلاث خطوات إلى الوراء». ويتوافق هذا مع تقارير تفيد بمغادرة أعداد متزايدة من الشباب منذ بدء الجولة الأخيرة من النزاع، كما ذكر مسؤولو الكنيسة خلال الإحاطة التي قدموها في 8 أغسطس.
وصفت وزيرة الخارجية الفلسطينية فارسن أغابيكيان شاهين انخفاض أعداد السكان بأنه «جرس إنذار خطير للغاية»، وعزت ارتفاع معدلات الهجرة بين المسيحيين إلى وجود شبكات عائلية مترسخة في الخارج تساعد على تسهيل الرحيل. ودعت إلى تدابير دولية أشد صرامة لمساعدة أبناء هذه الطائفة على البقاء في الأرض التي انبثقت منها المسيحية، حسب ما نقلته التقارير المحلية. وجاء تقييم الوزيرة في وقت انخفض فيه عدد المسيحيين في غزة إلى حوالي 600 فقط في أرض يزيد عدد سكانها على مليوني نسمة، وفق إحصاءات الكنيسة.
وفي الطيبة، البلدة المسيحية الوحيدة كلياً شرق رام الله في الضفة الغربية، غادرت أكثر من 15 عائلة منذ عام 2023، بينما تراجع عدد السكان إلى نحو 1200 نسمة مقارنة بحوالي 3000 في ثمانينيات القرن الماضي، بحسب تقارير الكنائس المحلية. وأرجع الأب بشار فواضلة، كاهن الرعية في الكنيسة اللاتينية بالطيبة، هذا الوضع إلى الهجمات المتكررة من قبل المستوطنين والمخاوف الأمنية والصعوبات الاقتصادية التي تدفع السكان إلى التفكير في مستقبلهم. وأشار فواضلة إلى أنه على الرغم من أن المسافة بين البلدة ورام الله لا تتجاوز 12 كيلومتراً، فإن الحواجز العسكرية الإسرائيلية تجعل الرحلة تستغرق ساعة كاملة في كثير من الأحيان.
غادر المسيحيون الفلسطينيون في أمواج متتالية على مر الأجيال، وبنوا تجمعات كبيرة في الشتات لا سيما في الأمريكتين، وهو أمر وثقته الدراسات التاريخية. وكشف استطلاع أجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية عام 2020 عن أن 35 بالمئة من مسيحيي الضفة الغربية كانوا يفكرون في الهجرة بسبب الصعوبات الاقتصادية أو فرص التعليم أو البحث عن الاستقرار، وكانت هذه النسبة ضعف ما هي عليه بين المسلمين تقريباً. وقال مدير المركز الباحث خليل الشقاقي بعد ست سنوات إن «كل شيء أصبح أسوأ على الأقل»، حسب التقرير الذي صدر في 8 أغسطس.

Добавить комментарий